حسين بن فخر الدين ( ابن معن )

283

التمييز

كان هذا هو المبدأ وذلك يحتاج إليه في بداية الأمر ، والإرادة ما لم يخالطه الاغراض الفاسدة ، والبدن مطيّة القلب وفيه شهوات ما لم يكسرها جمحت به فيه الطريق . وأما التأديب فهو أن يروّض غيره وهو حال شيخ الصوفية معهم فإنّه لا يقدر على تهذيبهم إلّا بمخالطتهم ، وحاله حال معلم العلم وحكمه حكمه ، ويتطرّق إليه دقائق الآفات والرّياء ما يتطرّق نشر المعلم العلم فينبغي أن يقيس ما يتيسّر له من الخلوة بما يتيسّر له من المخالطة وتهذيب القوم ، وليقابل أحدهما بالآخر وليؤثر الأفضل له ، وذلك يدرك بدقيق الاجتهاد ويختلف بالأحوال والأشخاص فلا يمكن الحكم عليه مطلقا بنفي ولا إثبات . وأما الاستئناس والإيناس فذلك فيمن يستأنس بمشاهدة أحواله وأقواله كالأنس بالشيوخ والعلماء الملازمين لسمة التقوى . ويستحب إذا كان الغرض منه ترويح القلب ليهيج دواعي النشاط في العبادة فإنّ القلوب إذا كرهت وملّت عمت وكلّت . ومهما كان في الوحدة وحشة وفي المجالسة أنس يروّح القلب فهو أولى إذ الرّفق في العبادة من حرم العبادة . وهذا أمر لا يستغنى عنه فإنّ النفس لا تألف الحق ما لم تروّح ، وفي تكليفها الملازمة بلا تنفيس يروّحها من غير ما يقارن مكروها وتبعة تنفير لها فلا يستغني المعتزل عن النّاس عن رفيق يستأنس بمشاهدته ومحادثته في اليوم واللّيلة ساعة فليجتهد في طلب من لا يفسد في ساعته تلك عليه سائر ساعاته وليحرص أن يكون حديثه عند اللقاء في أمور الدين ، وحكاية أحوال القلب وقصوره عن الثّبات على الحق والاهتداء والرّشد ففي ذلك تنفيس وترويح للنفس . فهذا النوع من الاستئناس في بعض أوقات النهار ربّما يكون أفضل من العزلة في حق الاشخاص فليتفقّد فيه أحوال القلب وأحوال الجليس ثمّ ليجالس . وأمّا نيل الثواب فبحضور الجنائز وعيادة المرضى وحضور العيدين . أمّا حضور الجمعة فلا بدّ منه وحضور الجماعة في سائر الصلوات أيضا لا رخصة في تركه إلّا لخوف / 136 أ / ضرر ظاهر يقاوم ما يفوت من فضيلة الجماعة ويزيد عليه وذلك لا يتفق إلّا نادرا . وكذلك في الإملاكات والدّعوات ثواب من حيث إدخال السّرور على قلب المؤمن . وأما إنالة الثواب فهو أن يفتح الباب ليعوده النّاس أو يعزّوه في